إسألوا أبو ناجي إن كنتم لا تعلمون

 

نـــــزار حيـــــدر

NAZARHAIDAR@HOTMAIL.COM

 

لن يشهد العراق إستقرارا تاما ، ما لم يؤخذ بنظر الاعتبار رأي المرجعية الدينية ، خاصة  في القضايا الحساسة والمصيرية ، كقضية المجلس التأسيسي ، ومشروع نقل السلطة ، وكتابة الدستور الجديد ، وغير ذلك ، لما يمثل ، هذا الرأي ، من حضور شعبي واسع ، وثقل سياسي كبير ، لا أبالغ إذا قلت ، إنه يفوق تمثيل وتأثير كل القوى الأخرى مجتمعة .

هذه الحقيقة ، يفترض أن لا يغفل عنها عاقل ، فالتجربة التاريخية ، والواقع الفعلي ، شاهدان حيان عليها ، خاصة منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة ، مطلع القرن الماضي ، وما سبقها من الاحتلال البريطاني للعراق ، ولحد الآن .

وإذا كان النظام الشمولي البائد ، قد حاول غض الطرف عن هذه الحقيقة وتجاوزها ، فسعى إلى تمرير سياساته التدميرية بعيدا عن تأثير المرجعية الدينية، ففشل ، فإن من يحاول تكرار تجربته تلك ، سيكتب له الفشل مسبقا ، لأنه سيصطدم بصخرة صماء ، لا تساوم على الوطن ، وهي الجهة الوحيدة، التي قد تتنازل عن كل شئ، إلا المصالح العليا للدين والوطن والشعب ، الدين بما يمثل، من تاريخ وحضارة وتربية وثقافة وقيم ومناقبيات ، والوطن بما يمثل، من وحدة وسيادة وثروات طبيعية وأمن ، والشعب بما يمثل، من إرادة وصوت ورأي ومصالح ومنافع حياتية وكرامة وعرض وناموس وحقوق .

على من يسعى، من الساسة العراقيين، لتجاوز رأي المرجعية في القضايا الاستراتيجية ، فيرفض الإصغاء إلى ما  تقول ، عليه أن يعود قليلا إلى الوراء ، ليقرأ تجربة النظام البائد ، الذي سخر ، تارة ،  كل وسائل القمع الدموية لإسكات صوت المرجعية ، ففشل ، كما حاول استغلالها كجسر يعبر عليه لتنفيذ سياساته المهلكة ، تارة أخرى ،ففشل كذلك .

كما أن على الولايات المتحدة الاميركية وحليفاتها الغربيات ، أن تستعير ملف المرجعية الدينية، من أرشيف وزارة المستعمرات البريطانية ـ سابقا ـ لتقرأ ما بين أسطره جيدا ، قبل أن تتخذ قرارها النهائي، وتختار طريقة التعامل مع هذا الملف المعقد والشائك ، حتى لا تكرر خطأ البريطانيين، الذي ارتكبوه في العشرينيات من القرن الماضي ، ليوفروا على أنفسهم الزمن والتضحيات والسمعة ، التي لا يحسدون عليها الآن ، خاصة في عالمنا الإسلامي والعربي ، بسبب ارتكابها لأكبر حجم من الأخطاء بحق شعوبها ، خاصة في مجال صناعة الديكتاتوريات ودعمها، وسحق حقوق الإنسان .

لقد قرأنا في كتب العلوم والفلسفة وحياة الحيوان ، أن القرود لا تتعلم من تجاربها ، ولذلك يحاول كل جيل جديد منها ، أن يمر بنفس تجارب الجيل الذي سبقه ، بحلوها ومرها ، ولكننا لم نقرأ أن بعض فصائل ـ الإنسان ـ تشبه القرود في هذا الصدد ، إلى حد بعيد ، فلا تقرأ تاريخها ، وإذا قرأته فللتسلية فقط ، من دون أن تتعلم منه ، فتحاول أن تجرب الحياة بكل تفاصيلها المملة ، من دون أن تحمل نفسها عناء الإصغاء إلى الآباء والأجداد ، أو إلى كتب التاريخ ، إذا كانت غضة طرية ، حديثة عهد بالحياة وتجاربها .

لا أحد يريد أن تتكرر تجربة ثورة العشرين الإسلامية التحررية ، ولا أحد يريد أن يعود بعقارب الزمن إلى الوراء ، ولذلك أتمنى على كل الأطراف ، بمن فيهم الاحتلال والسادة أعضاء مجلس الحكم الانتقالي ، أن يدرسوا التاريخ جيدا ، ليستحضروا مفرداته واحدة فواحدة ، ليستفيدوا من نجاحاته ، مع الأخذ بنظر الاعتبار الواقع الجديد ، ويتجنبوا أخطائه،فلا يكررونها بأي شكل من الأشكال، خاصة وأن بعض تلك الأخطاء ، كانت قاتلة ، حملت العراقيين ، في بعض المراحل ، ما لا يطيقون من التضحيات الجسام ، والثمن الباهض ، الذي دفعوه من أجل تصحيحها ، وتعديل المعوج من السياسات الهوجاء التي انتهجها ـ أبو ناجي ـ ، بريطانيا العظمى آنذاك ، وعدد من الساسة العراقيين الذين كانوا إما يقدمون مصالحه على مصالح بلادهم وشعبهم ، أو كانوا يقدمون مصالحهم الطائفية والحزبية ، وأحيانا العشائرية ، على المصالح العليا للعراق وشعبه .

قد أعذر الولايات المتحدة الاميركية ، إذا لم تفهم مواقف المرجعية الدينية ، أو لم تقدر بشكل صحيح ، حجمها الحقيقي وقدرتها الواقعية وتأثيرها المباشر في الشارع العراقي ، لأنها حديثة عهد في التعامل مع هذا الملف الحساس ، ولكنني لا أعذر مطلقا ، الساسة العراقيين ، إذا فشلوا في التعامل معه ، إذ يفترض بهم أنهم درسوا تاريخ بلادهم الحديث واستوعبوا دروسه ، هذا إذا لم يسمعوا عنه من آبائهم وأجدادهم الذين صنعوا هذا التاريخ ، أو كانوا عليه من الشاهدين ، أما إذا كان بعض هؤلاء من أبناء الجيل الجديد ، الذي لم تتح له الفرصة بعد لدراسة تاريخ بلادهم ،أو كانوا بعيدين عنه في بلاد المهجر ، فتراهم مثلا قرأوا عن تاريخ أوروبا وأميركا وإستراليا أكثر مما قرأوا عن العراق وماضيه القريب ، فان بامكانهم أن يسألوا ويقرأوا ، ليعرفوا الحقائق التي غابت عنهم ، ليتعلموا كيف يتعاملون مع الواقع ، وكيف يفهمون القوى العراقية الحقيقية ، الدينية منها والاجتماعية والسياسية .

فكما أن البيت الأبيض قرر أخيرا أن يعيد قراءة المشهد العراقي من جديد ، ليسلط الضوء على المناطق المعتمة فيه أو المساحات المجهولة بالنسبة إليه ، لدرجة انه أبدى كامل إستعداده لإعادة النظر في بعض خططه الحالية ، ليأخذ بنظر الاعتبار، رأي المرجعية الدينية وعلى وجه الخصوص ،رأي السيستاني ، كذلك فإن من اللازم بمكان ، على الساسة العراقيين المتصدين الآن للمشهد السياسي العراقي ،أن لا يكابروا ، فلا يقولوا ما لا يعلمون ، وإن قل ما يعلمون ، وإذا جهلوا تعلموا ، وإذا نسوا تذكروا ، ليتصرفوا بحكمة أكبر وبمسؤولية مشهودة ، تتناسب وحجم التحديات السيادية الضخمة التي يواجهها العراق .

لقد كدت أن أنفجر من الضحك ، وأنا أقرأ تصريحات نسبت إلى متحدث بلسان مجلس الحكم الانتقالي ، ـ لم أتأكد بعد ما إذا كانت رسمية ، أم أنها  شخصية لا تعبر إلا عن وجهة نظر صاحبها ـ ، يقول فيها ، أن المجلس رفض الأخذ بنظر الاعتبار رأي المرجعية الدينية ـ ويقصد السيستاني على وجه التحديد الذي يصر على مطلبه بتشكيل المجلس التأسيسي من خلال إجراء إنتخابات عامة ، لإشراك العراقيين في العملية السياسية ، رافضا بشكل قاطع أي شكل من أشكال التوافق السري أو التعيين بالفرض والإكراه ـ، في خطته التي كان قد وقعها مع سلطة التحالف ، والرامية إلى نقل السلطة نهاية حزيران القادم .

أتمنى أن لا تكون هذه التصريحات رسمية تعبر بالفعل عن الموقف الرسمي لمجلس الحكم الانتقالي ، وإلا فإن ذلك يعني أن أعضاءه بدأوا يلعبون بالنار ، وأنهم بدأوا يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ، خاصة وأنهم لا زالوا يعيشون عقدة الشرعية التي تؤرقهم ليل نهار ، كونهم غير منتخبين من قبل الشعب العراقي ، من جانب ، وبسبب أنهم يئنون تحت ضغط الاحتلال والمتمثل بحق النقض ـ الفيتو ـ الذي يتمتع به الرئيس الفعلي والحقيقي للمجلس ، السيد بول بريمر الحاكم المدني الاميركي .

إن من مصلحة المجلس ، أن يقترب أكثر فأكثر من الشارع العراقي ، من خلال إحترام رأي المرجعية الدينية ، وأخذه بنظر الاعتبار في كل القضايا المصيرية ، ليكتسب شرعية واقعية وفعلية ، خاصة وأن المرجعية الدينية ، لم تطالبه حتى الآن بالمعجزة ، أو بما لا يقدر على إنجازه ، إذ أن كل ما تدعو إليه ، وتطالب به ، هو إشراك العراقيين مباشرة في إنتخاب المجلس التأسيسي ، الذي ستنتقل إليه السيادة والسلطة من المحتل ، وبالطريقة المناسبة التي يراها ويشخص إمكانيتها الأخصائيون ، وأصحاب الخبرة، فأين الخلل في هذا الموقف ؟ ولماذا لا يأخذ به المحتل ومجلسه ؟ فظل يتحجج بأعذار واهية وعلى مدى أشهر طويلة من الزمن ، قضاها بالنقاش العقيم ، بدلا من أن يبدي جدية أكبر للبحث في ألآليات البديلة لتحقيق المشاركة الشعبية المباشرة في العملية السياسية ، والتي تعتبر ـ المشاركة ـ المصداق الحقيقي للديمقراطية التي نبشر بها العراقيين ، والطريق الأسلم والأسلوب الأفضل لبناء الشرعية الوطنية ، ونحن نؤسس لعراق جديد ؟ .

كذلك ، فإن من مصلحته أن لا يتحمل ثقل المسؤولية التاريخية على عاتقه لوحده ، فمن الأفضل له أن يتقاسمها مع القوى الأخرى الفاعلة في المجتمع العراقي وعلى رأسها المرجعية الدينية ، حتى لا يلام على خطأ يرتكبه ، أو تقصير لا يقدر على مواجهة تبعاته واستحقاقاته .

ولقد ثبت للعراقيين حتى الآن ، أن المرجعية الدينية تفكر باستقلالية أكبر ، وحرص وطني أشد ، على عكس مجلس الحكم الذي باتت مواقفه محصورة بين مطرقة الاحتلال وسندان متطلبات واقع العراق الجديد ، ففي الوقت الذي لم يغير فيه السيستاني آراءه ومواقفه أزاء القضايا الاستراتيجية المطروحة للبحث والنقاش ،فطالب منذ اليوم الأول ، وقبل ستة أشهر ربما ، بالانتخابات لتشكيل المجلس التأسيسي مثلا ، ما يعني معرفته الجيدة بما يقول ، ووعيه الكامل وتفهمه الشامل للأمور ، من دون أن يتورط بشئ يجهله أبدا ، غير مجلس الحكم وبدل وتناقض أعضاؤه في مواقفهم ، إذ نسمع عنه في كل يوم رأي وموقف أزاء الأمر الواحد ، بالرغم من تعيينه لمتحدث رسمي باسمه لتوحيد الخطاب الإعلامي العلني على الأقل ، وهذا دليل على أن المرجعية الدينية تنطلق بمواقفها من أرضية صلبة ، تعي الواقع وتفهم الأمور وتستوعب التجربة ، فيما يبني المجلس مواقفه ، إما على أساس منطلقات الاحتلال وأجندته السياسية ، أو على أساس مصالح فئوية ضيقة ، لا تأخذ بنظر الاعتبار استحقاقات المرحلة والظرف ، والتحديات الخطيرة .

ولا أدري لماذا لا يتحلى أعضاء المجلس بالشجاعة الكافية ، ليقولوا ما يعتقدون به ويرونه صائبا ؟ ، فترى أحدهم يدلي بتصريح ما بعد كل زيارة إلى المرجعية الدينية في مدينة النجف الاشرف ، وكأنه يوافق رأيها ، بإنتظار أن يعود إلى بغداد ، ليدلي بتصريح يتناقض تماما مع تصريحه الأول ، فأيهما ، يا ترى ، هو الذي يعبر عن وجهة نظره الحقيقية ؟ ، وأيهما الذي يؤمن به السادة الأعضاء ؟ ، هل يتصورون أن بامكانهم توظيف عامل الزمن للتقليل من أهمية رأي المرجعية ومواقفها ؟ أم يظنون أنها ستنسى اليوم ما قالته بالأمس ،  فيقللوا، بهذه الطريقة الملتوية، من تأثير مواقفها في الشارع العراقي ؟ .

يخطئ من يظن أن بإمكانه أن يبتز المرجعية ، أو يقلل من أثر مواقفها في الساحة ، أو يروضها بمرور الوقت ، لأنه ، وبصراحة ، ليس هناك ما تخسره على الصعيد الشخصي ، وليس عندها ما تساوم عليه ، لأنها ، وببساطة ،  لا تفكر بطريقة المحاصصة ، ولا تنوي اقتسام الكعكة مع بقية الأطراف ، خاصة مرجعية دينية كالسيد السيستاني الذي يعرف ألقاصي والداني ، أنه مرجعية محافظة ومعتدلة ووسطية وزاهدة في الدنيا وملذاتها وزبرجها ، وغير متهالكة على شئ من حطام الدنيا التي طلقتها ثلاثا من غير رجعة ، فدعا أنصاره من العلماء وطلبة العلوم الدينية ، ومنذ اليوم الأول ، إلى عدم التدخل في الأمور التنفيذية للبلد ، والاكتفاء بتحمل مسؤولية التبليغ والتوجيه والمراقبة ، واكتفى هو بتسخير قوة الكلمة الطيبة والمنطق الحسن والحكمة والموعظة الحسنة ، للحفاظ على، وصيانة المصالح العليا للعراق والعراقيين ، بعيدا عن حسابات الربح والخسارة الضيقة الأفق ، كما أنه لم ينو الدخول في العمل الحزبي والسياسي المباشر ، فضلا عن أنه لا يمتلك أية أجندات سياسية للوصول إلى السلطة ، ولذلك ، مثلا ، ظل يراقب الساحة وتطوراتها لمدة زادت على ثمانية أشهر ، قبل أن يحدد الأسبوع الماضي موقفه من مجلس الحكم الانتقالي ، عندما قال أنه لا يمتلك الشرعية اللازمة ، التي تؤهله لاتخاذ القرارات السيادية ، لأنه غير منتخب من قبل الشعب العراقي .

ولمن لم يفهم دور المرجعية الدينية ، خاصة خلال القرن الماضي من الزمن ، أو لم  يستوعب بعد حجمها الحقيقي وثقلها الواقعي في الشارع العراقي ، أذكره بتاريخها ألجهادي والنضالي الطويل ، المعمد بالدم والمعاناة المستمرة ، والذي يثبت لكل ذي بصيرة أو ألقى السمع وهو شهيد ، أنها لا تطمع بحصة ، ولا تطمح  لمنصب ، ولا تنتظر من أي أحد ، أجرا على موقف أو رأي ، ولذلك اصطبغ تاريخها بالتضحيات والدماء والهجرة والملاحقة والاغتيالات ، وكل ذلك بسبب مواقفها المبدئية الثابتة ، أزاء القضايا المصيرية التي تخص الدين والوطن والشعب ، بدءا من تصديها ألجهادي للغزو البريطاني للعراق عام 1917 ، بقيادة العديد من رموزها الثورية من أمثال ألحبوبي واليزدي ، مرورا بقادة ثورة العشرين الإسلامية التحررية ، وعلى رأسهم  الشيرازي ومن بعده الاصفهاني ، ثم دفاعها ووقوفها إلى جانب حقوق الشعب العراقي ، والضغوط التي مارستها لانتزاعها من المحتل آنئذ ـ بريطانيا العظمى ـ بقيادة ألخالصي وزملاءه ، بالرغم من كل ما تحملت  بسببها ومن أجلها ، كان آخرها تهجيرهم إلى خارج العراق بحجج وأعذار واهية ، وبالتنسيق بين الوزارة العراقية وسلطة الاحتلال ، وحتى تصديها للغزو البريطاني الثاني للعراق في الأربعينيات من القرن الماضي ، مرورا بكل التضحيات الجسام التي قدمتها المرجعية الدينية من أمثال الشهيد الصدر الأول ، والقافلة التي تبدأ ولا تنتهي ، من شهداء المرجعية الدينية التي ضمت الآلاف من العلماء والفقهاء والمفكرين وكبار أساتذة الحوزة العلمية وطلبة العلوم الدينية ، والهجرة والمطاردة والاغتيال الذي تعرضت له العديد منها ، من أمثال المرجع الشيرازي والشهيد السيد مهدي الحكيم والشهيد السيد حسن الشيرازي ، وأخيرا التصدي الحازم والشجاع والنادر للنظام الديكتاتوري البائد ، من قبل المرجع الشهيد الصدر الثاني ، الذي قاد ثورة عارمة ضد الطاغية الذليل صدام حسين ، وإنتهاءا بالدم المسفوك ظلما وعدوانا في محراب الصلاة في مرقد الإمام علي بن أبي طالب ـ ع ـ في مدينة النجف الاشرف قبل مئة وخمسين يوما تقريبا ، عندما أغتيل الشهيد السيد محمد باقر الحكيم والمئات من المؤمنين المصلين .

وبعد كل هذا التاريخ ألجهادي والنضالي الحافل للمرجعية الدينية ، يأتي من يستكثر عليها رأيا تدلي به في قضايا العراق ، أو موقفا تبديه أزاء تطوراته ، فيطالبها بعدم التدخل في السياسية ، أو يطالبها بالتوقف عن الإدلاء بالتصريحات ذات الشأن العام ، فيما تطرف آخرون عندما دعوا الاحتلال لعدم منحها حق الممارسة السياسية والتعاطي بالشأن العام ، وكأن المشاركة السياسية ليست حق مكفول لكل مواطن من دون تمييز ، لا يحق لأحد سلبه من أحد مهما كانت الظروف والأعذار .

لو لم يكن من حق المرجعية الدينية أن تقول ما تراه صحيحا ومناسبا في هذه القضايا الاستراتيجية والمصيرية ، فمن له الحق إذن في إبداء رأيه ؟ .

إن السيستاني وأمثاله من المرجعيات الدينية ، هم ورثة تاريخ جهادي عريق مصبوغ بالدم والدموع والآلام والمعاناة اليومية ، ولذلك ، فهو أول من يحق له أن يتدخل في كل القضايا ذات الشأن العام ومن دون منازع ، وهو أول من له الحق في أن يتحدث بصوت عال ومرتفع ، ويبدي رأيه في الأحداث ، ويعبر عن مواقفه في التطورات ، أما أولئك الذين قضوا نصف عمرهم أو أكثر منعمون في بلاط الملوك والأمراء والرؤساء ، يلحسون قصاعهم ، ويفترشون رياشهم ، أولئك الذين لم يضحوا ، ـ لا هم ولا عوائلهم أو حتى عشائرهم ـ ، بقطرة دم واحدة ، ولم يذرفوا دمعة على صورة من صور المأساة الرهيبة التي عاشها العراق ، طوال حكم النظام البائد، أما أولئك  ، فهم آخر من يحق له أن يتحدث أو يبدي رأيا أو موقفا ، فقبلهم يقف ملايين العراقيين الذين ضحوا بدمائهم وأرواحهم وأعمارهم وبكل ما يملكون ، من أجل التصدي للنظام الشمولي البائد .

فهمنا مصدر شرعية تدخل المرجعية الدينية في الشأن العام ، إنه تاريخها ألجهادي ومواقفها البطولية المسؤولة والشعب الذي أثبت الواقع الحالي إلتفافه حول طروحاتها ، والتزامه بنهجها ومدرستها ، فمن أين اكتسب أولئك مشروعية تدخلهم ؟ وهم الذين لم يشهد لهم التاريخ بموقف مسؤول واحد لصالح الشعب العراقي ، فضلا عن أنهم غير منتخبين أو مفوضين من قبل العراقيين للتحدث باسمهم أو التدخل بشؤونهم ؟ .

عجبا لأمر بعضهم ، كيف يهرولون إلى المرجعية لاستصدار مواقفها الشرعية والوطنية أزاء  المخاطر التي يتعرضون لها كونها تمسهم في الصميم ، وتهدد مشروعهم ، ولكنهم يرفضون منها رأيا إذا لم يأت منسجما مع طريقة تفكيرهم ، أو لا يخدم طموحاتهم الشخصية والحزبية .

إن لم يكن من حق المرجعية الدينية أن تتعاطى السياسة ، فلماذا يؤمها القادة وزعماء الأحزاب السياسية كلما داهمهم خطر أو واجهتهم مشكلة أو اختلفوا حول قضية ؟ ، أترى أنهم يسألونها عن دينهم وعباداتهم ؟ أم كيف يتطهرون من رجسهم ؟ ، أم يستخيرون الله عندها ؟  أم أنهم يزورونها للإصغاء إلى آرائها في القضايا السياسية ؟ حقا أنهم يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض  ، فيهرعون إليها متى ما أرادوا ، ويطالبونها بالكف عن تعاطي السياسة متى ما أغاضهم رأيها ، وكأنها مطية لأغراضهم وجسرا لأهدافهم ، يمتدحونها ويحسنوا تدخلها بالسياسة ، إذا أحبوا رأيها ، ويتهجمون عليها ويستنكرون تدخلها في السياسة ويطالبونها بالكف عن ذلك ، إذا كرهوا رأيها السياسي .

 ليس عند المرجعية الدينية فتاوى جاهزة تحت الطلب ، ليستصدرها السياسيون متى ما أرادوا أو رغبوا في ذلك ، أو متى ما شاءت ظروفهم لخدمة أجندتهم السياسية .

إن لم تكونوا تعلمون علم اليقين ، بأهمية رأيها وثقل وزنها في الساحة ، فلماذا كل هذا الاهتمام الذي تبدونه أزاء آرائها ؟ ، وإذا كان موقفها مهما لهذه الدرجة ، فلماذا تحاولون تجاهله ؟ ، دعوها تدلي برأيها ، وقولوا ما ترونه مناسبا من آراء ومواقف ، ثم ليقض الشعب بينكم وبينها ، فهو أصدق تعبيرعن الحقيقة ، وأدق الموازين التي يمكن أن نقرأ فيها التأثير الحقيقي والواقعي لما يقال ويطرح من آراء ومواقف ومشاريع .

أقول بصراحة ، أن أي موقف سلبي من المرجعية الدينية المعتدلة ، سيشجع المتطرفين على التمسك بمواقفهم المتطرفة ، ولذلك يلزم التصرف بحكمة بعيدا عن الاستعجال والاندفاع الأعمى وراء المتشبعين بالكراهية والعدوانية لكل ما يمت إلى الدين وأهله بصلة ، ما يدفع باتجاه تأزيم وتعقيد الأمور أكثر فأكثر ، فتخيم من جديد أجواء ثورة العشرين الإسلامية التحررية في سماء العراق ، وليس في ذلك أية مصلحة لأية شريحة من شرائح المجتمع العراقي .

إن المرجعية الدينية فخر العراق وعزه ، وأن العراق مدين لها بمواقفها وتضحياتها الجسام ، إلى جانب تضحيات العراقيين بكل شرائحهم ، فهي التي تصدت لاحتلال العراق مرتين ، الأولى في العام 1917 ، والثانية في العام 1944 ، وها هي تتصدى للاحتلال الثالث بكل حكمة وسعة صدر ، وبالمقاومة السلمية والسياسية ما لم تستنفذ أغراضها ، فنجحت حتى الآن في حقن  الدماء التي كادت أن تراق أنهارا غزيرة من جديد بسبب التطرف الذي حاول توظيفها لخدمة أغراضه العدوانية وأهدافه الظلامية ، من خلال مساعيه الكبيرة التي بذلها لجر شريحة كبيرة من العراقيين، إلى ممارسة العنف ، لولا الموقف العاقل والحكيم الذي وقفته المرجعية الدينية .

لا أحد يريد أن تتكرر تجربة ثورة العشرين الإسلامية التحررية ، ونحن على أبواب شهري الثورة والحرية والتحرر ، ـ محرم وصفر ـ ، ولكن لكل صبر حدود ، فلا تدعوا الكيل يطفح من إنائه .

أسمع همسا وكأن بعضهم يسألني ، كيف ؟ .

أجيبه همسا كذلك في أذنيه ،اسألوا أبو ناجي إن كنتم لا تعلمون ، فعنده الخبر اليقين و ... كل التجربة .